الفيض الكاشاني
366
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
أصبتها يا جابر : إنّ المؤمنين لم يطمئنّوا إلى الدّنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الآخرة ، يا جابر الآخرة دار قرار والدّنيا دار فناء وزوال ولكن أهل الدّنيا أهل غفلة وكأنّ المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة ، لم يصمهم عن ذكر اللَّه تعالى ما سمعوا بآذانهم ولم يعمهم عن ذكر اللَّه تعالى ما رأوا من الزينة بأعينهم ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم ، واعلم يا جابر أنّ أهل التقوى أيسر أهل الدّنيا مئونة وأكثرهم لك معونة تذكر فيعينونك وإن نسيت ذكروك ، قوّالون بأمر اللَّه قوّامون على أمر اللَّه ، قطعوا محبّتهم بمحبّة ربّهم ووحشوا الدّنيا لطاعة مليكهم ونظروا إلى اللَّه تعالى وإلى محبّته بقلوبهم وعلموا أنّ ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه ، فأنزل الدّنيا كمنزل نزلته ثمّ ارتحلت عنه ، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء ، إنّي إنّما ضربت لك هذا مثلا لأنّها عند أهل اللَّبّ والعلم باللَّه كفيء الظلال ، يا جابر فاحفظ ما استرعاك اللَّه من دينه وحكمته ولا تسألنّ عمّالك عنده إلا ما له عند نفسك [ 1 ] فإن تكن الدّنيا على ما وصفت لك فتحوّل إلى دار المستعتب [ 2 ] فلعمري لربّ حريص على أمر قد شقي به حين أتاه ولربّ كاره لأمر قد سعد به حين أتاه وذلك قول اللَّه تعالى : « وليمحّص اللَّه الَّذين آمنوا ويمحق الكافرين » ( 1 ) . وعنه عليه السّلام قال : « مثل الحريص على الدّنيا كمثل دودة القزّ كلَّما ازدادت على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا » ( 2 ) .
--> ( 1 ) الكافي ج 2 ص 133 . ( 2 ) المصدر ج 2 ص 134 . [ 1 ] الاسترعاء طلب الرعاية ولعل المراد بقوله : « لا تسألن عمالك عنده » انك لا تحتاج إلى أحد تسأله عن ثوابك عند اللَّه إذ ليس ذلك إلا بقدر ماله عند نفسك أعني بقدر رعايتك دينه وحكمه فاجعله المسؤول وتعرف ذلك منه أو المراد لا تسأل عن ذلك بل سل عن هذا فإنك انما تفوز بذلك بقدر رعايتك هذا . [ 2 ] « على ما وصفت لك » في المصدر « على غير ما وصفت لك » والشراح تكلفوا في شرحه ولكن في تحف العقول كما في المتن أي بدون لفظة « غير » والمعنى معلوم بدون التكلف .